تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 365 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 365

365 : تفسير الصفحة رقم 365 من القرآن الكريم

** وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىَ رَبّهِ ظَهِيراً * وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ مُبَشّراً وَنَذِيراً * قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَن شَآءَ أَن يَتّخِذَ إِلَىَ رَبّهِ سَبِيلاً * وَتَوَكّلْ عَلَى الْحَيّ الّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىَ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً * الّذِي خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْتَوَىَ عَلَى الْعَرْشِ الرّحْمَـَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرّحْمَـَنِ قَالُواْ وَمَا الرّحْمَـَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً
يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام التي لا تملك له ضراً ولا نفعاً, بلا دليل قادهم إلى ذلك, ولا حجة أدتهم إليه بل بمجرد الاَراء والتشهي والأهواء, فهم يوالونهم ويقاتلون في سبيلهم, ويعادون الله ورسوله والمؤمنين فيهم, ولهذا قال تعالى: {وكان الكافر على ربه ظهير} أي عوناً في سبيل الشيطان على حزب الله وحزب الله هم الغالبون, كما قال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون} أي آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصراً, وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون يقاتلون عنهم, ويذبون عن حوزتهم, ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله وللمؤمنين في الدنيا والاَخرة.
قال مجاهد {وكان الكافر على ربه ظهير} قال: يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه. وقال سعيد بن جبير: {وكان الكافر على ربه ظهير} يقول: عوناً للشيطان على ربه بالعداوة والشرك وقال زيد بن أسلم {وكان الكافر على ربه ظهير} قال: موالياً, ثم قال تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه {وما أرسلناك إلا مبشراً ونذير} أي بشيراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين, مبشراً بالجنة لمن أطاع الله ونذيراً بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله {قل ما أسألكم عليه من أجر} أي على هذا البلاغ وهذا الإنذار من أجرة أطلبها من أموالكم, وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى {لمن شاء منكم أن يستقيم} {إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيل} أي طريقاً ومسلكاً ومنهجاً يقتدي فيها بما جئت به.
ثم قال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} أي في أمورك كلها كن متوكلاً على الله الحي الذي لا يموت أبداً, الذي هو {الأول والاَخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} الدائم الباقي السرمدي الأبدي الحي القيوم ورب كل شيء ومليكه اجعله ذخرك وملجأك, وهو الذي يتوكل عليه ويفزع إليه, فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك, كما قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}.
وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال: قرأت على معقل يعني ابن عبيد الله, عن عبد الله بن أبي حسين عن شهر بن حوشب قال: لقي سلمان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض فجاج المدينة فسجد له, فقال «لا تسجد لي يا سلمان, واسجد للحي الذي لا يموت} وهذا مرسل حسن. وقوله تعالى: {وسبح بحمده} أي اقرن بين حمده وتسبيحه, ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك» أي أخلص له العبادة والتوكل, كما قال تعالى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيل} وقال تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} وقال تعالى: {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلن}.
وقوله تعالى: {وكفى به بذنوب عباده خبير} أي بعلمه التام الذي لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة. وقوله تعالى: {الذي خلق السموات والأرض} الاَية, أي هو الحي الذي لا يموت, وهو خالق كل شيء وربه ومليكه, الذي خلق بقدرته السموات السبع في ارتفاعها واتساعها, والأرضين السبع في سفولها وكثافتها {في ستة أيام ثم استوى على العرش} أي يدبر الأمر, ويقضي الحق, وهو خير الفاصلين.
وقوله {ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبير} أي استعلم عنه من هو خبير به عالم به, فاتبعه واقتد به, وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه, سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والاَخرة, الذي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى, فما قاله فهو الحق, وما أخبر به فهو الصدق, وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء وجب رد نزاعهم إليه, فما وافق أقواله وأفعاله فهو الحق, وما خالفها فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان, قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء} الاَية, وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} وقال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدل} أي صدقاً في الإخبار وعدلاً في الأوامر والنواهي, ولهذا قال تعالى: {فاسأل به خبير}.
قال مجاهد: في قوله {فاسأل به خبير} قال: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك وكذا قال ابن جريج. وقال شمر بن عطية في قوله {فاسأل به خبير} هذا القرآن خبير به. ثم قال تعالى منكراً على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} أي لا نعرف الرحمن, وكانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن, كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم, ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم, ولهذا أنزل الله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} أي هو الله وهو الرحمن وقال في هذه الاَية {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} أي لا نعرفه ولا نقر به {أنسجد لما تأمرن} أي لمجرد قولك {وزادهم نفور} فأما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم, ويفردونه بالإلهية, ويسجدون له, وقد اتفق العلماء رحمهم الله على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها, كما هو مقرر في موضعه, والله سبحانه وتعالى أعلم.

** تَبَارَكَ الّذِي جَعَلَ فِي السّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مّنِيراً * وَهُوَ الّذِي جَعَلَ اللّيْلَ وَالنّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذّكّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً
يقول تعالى ممجداً نفسه ومعظماً على جميل ما خلق في السماوات من البروج, وهي الكواكب العظام في قول مجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح والحسن وقتادة. وقيل: هي قصور في السماء للحرس, يروى هذا عن علي وابن عباس ومحمد بن كعب وإبراهيم النخعي وسليمان بن مهران الأعمش, وهو رواية عن أبي صالح أيضاً, والقول الأول أظهر. اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس, فيجتمع القولان, كما قال تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} الاَية, ولهذا قال تعالى: {تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراج} وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود, كما قال تعالى: {وجعلنا سراجاً وهاج} {وقمراً منير} أي مشرقاً مضيئاً بنور آخر من غير نور الشمس, كما قال تعالى: {وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نور} وقال مخبراً عن نوح عليه السلام, أنه قال لقومه {ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراج} ثم قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} أي يخلف كل واحد منهما صاحبه, يتعاقبان لا يفتران, إذا ذهب هذا جاء هذا, وإذا جاء هذا ذهب ذاك, كما قال تعالى: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} الاَية, وقال {يغشي الليل والنهار يطلبه حثيث} الاَية, وقال {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} الاَية.
وقوله تعالى: {لمن أراد أن يذكر أو أراد شكور} أي جعلهما يتعاقبان توقيتاً لعبادة عباده له عز وجل, فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار, ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل, وقد جاء في الحديث الصحيح «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو حمزه عن الحسن أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى, فقيل له: صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه, فقال: إنه بقي علي من وردي شيء, فأحببت أن أتمه, أو قال أقضيه, وتلا هذه الاَية {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكور}. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الاَية: يقول من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار, أو من النهار أدركه بالليل, وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحسن, وقال مجاهد وقتادة: خلفة, أي مختلفين, أي هذا بسواده وهذا بضيائه.

** وَعِبَادُ الرّحْمَـَنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجّداً وَقِيَاماً * وَالّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذَابَ جَهَنّمَ إِنّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * وَالّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً
هذه صفات عباد الله المؤمنين {الذين يمشون على الأرض هون} أي بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار, كقوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرح} الاَية, فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح, ولا أشر ولا بطر, وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعاً ورياء, فقد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب, وكأنما الأرض تطوى له, وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع, حتى روي عن عمر أنه رأى شاباً يمشي رويداً, فقال: ما بالك أأنت مريض ؟ قال: لا يا أمير المؤمنين, فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي بقوة, وإنما المراد بالهون هنا السكينة والوقار, كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون, وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم منها فصلوا, وما فاتكم فأتموا».
وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن البصري في قوله {وعباد الرحمن} الاَية, قال: إن المؤمنين قوم ذلل, ذلت منهم ـ والله ـ الأسماع والأبصار والجوارح, حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض, وإنهم والله أصحاء, ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم, ومنعهم من الدنيا علمهم بالاَخرة, فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن, أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس, ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة, ولكن أبكاهم الخوف من النار, إنه من لم يتعز بعزاء الله, تقطع نفسه على الدنيا حسرات, ومن لم ير لله نعمةً إلا في مطعم أو مشرب, فقد قل علمه وحضر عذابه.
وقوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلام} أي إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيء لم يقابلوهم عليه بمثله, بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيراً, كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلماً, وكما قال تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} الاَية. وروى الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر, حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبي خالد الوالبي, عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسب رجل رجلاً عنده, فجعل قال: المسبوب يقول: عليك السلام, الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما إن ملكاً بينكما يذب عنك, كلما شتمك هذا قال له: بل أنت وأنت أحق به, وإذا قلت له وعليك السلام, قال: لا بل عليك وأنت أحق به». إسناده حسن, ولم يخرجوه.
وقال مجاهد {قالوا سلام} يعني قالوا سداداً. وقال سعيد بن جبير: ردوا معروفاً من القول. وقال الحسن البصري: {قالوا سلام} حلماء لا يجهلون إن جهل عليهم حلموا, يصاحبون عباد الله نهارهم بما يسمعون, ثم ذكر أن ليلهم خير ليل, فقال تعالى: {والذين يبيتون لربهم سجداً وقيام} أي في طاعته وعبادته, كما قال تعالى: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} وقوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} الاَية, وقال تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الاَخرة ويرجو رحمة ربه} الاَية, ولهذا قال تعالى: {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرام} أي ملازماً دائماً, كما قال الشاعر:
إن يعذب يكن غراماً, وإن يعطجزيلاً, فإنه لا يبالي
ولهذا قال الحسن في قوله {إن عذابها كان غرام} كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه, فليس بغرام, وإنما الغرام الملازم ما دامت السموات والأرض, وكذا قال سليمان التيمي. وقال محمد بن كعب {إن عذابها كان غرام} يعني ما نعموا في الدنيا, إن الله تعالى سأل الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه, فأغرمهم فأدخلهم النار {إنها ساءت مستقراً ومقام} أي بئس المنزل منظراً, وبئس المقيل مقاماً, وقال ابن أبي حاتم عند قوله {إنها ساءت مستقراً ومقام} حدثنا أبي, حدثنا الحسن بن الربيع, حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها, فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له: مكانك حتى تتحف, قال: فيسقى كأساً من سم الأساود والعقارب, قال: فيميز الجلد على حدة, والشعر على حدة, والعصب على حدة, والعروق على حدة. وقال أيضاً: حدثنا أبي, حدثنا الحسن بن الربيع, حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مجاهد, عن عبيد بن عمير قال: إن في النار لجباباً فيها حيات أمثال البخت, وعقارب أمثال البغال الدلم, فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها, فأخذت بشفاههم وأبشارهم وأشعارهم, فكشطت لحومهم إلى أقدامهم, فإذا وجدت حر النار رجعت.
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى, حدثنا سلام يعني ابن مسكين, عن أبي ظلال عن أنس بن مالك رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن عبداً في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان يا منان, فيقول الله عز وجل لجبريل: اذهب فأتني بعبدي هذا, فينطلق جبريل فيجد أهل النار مكبين يبكون, فيرجع إلى ربه عز وجل فيخبره, فيقول الله عز وجل, ائتني به, فإنه في مكان كذا وكذا, فيجيء به فيوقفه على ربه عز وجل, فيقول له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك ؟ فيقول: يا رب شر مكان وشر مقيل, فيقول الله عز وجل, ردوا عبدي, فيقول: يا رب ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها, فيقول الله عز وجل, دعوا عبدي».
وقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقترو} الاَية, أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم, فيصرفون فوق الحاجة, ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم, بل عدلاً خياراً, وخير الأمور أوسطها, لا هذا ولا هذا, {وكان بين ذلك قوام} كما قال تعالى {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} الاَية, وقال الإمام أحمد: حدثنا عصام بن خالد, حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني, عن ضمرة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من فقه الرجل رفقه في معيشته». ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو عبيدة الحداد, حدثنا مسكين بن عبد العزيز العبدي, حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص, عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما عال من اقتصد» لم يخرجوه.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن يحيى, حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون, حدثنا سعيد بن حكيم عن مسلم بن حبيب عن بلال ـ يعني العبسي ـ عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أحسن القصد في الغنى, وأحسن القصد في الفقر, وأحسن القصد في العبادة» ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة رضي الله عنه. وقال الحسن البصري: ليس في النفقة في سبيل الله سرف. وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى, فهو سرف. وقال غيره: السرف النفقة في معصية الله عز وجل.